أبي حيان الأندلسي

20

البحر المحيط في التفسير

وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ « 1 » ، وهو مبتدأ ، ويبور خبره ، والجملة خبر عن قوله : وَمَكْرُ أُولئِكَ . وأجاز الحوفى وأبو البقاء أن يكون هو فاصلة ، ويبور خبر ، ومكر أولئك والفاصلة لا يكون ما بعدها فعلا ، ولم يذهب إلى ذلك أحد فيما علمناه إلا عبد القاهر الجرجاني في شرح الإيضاح له ؛ فإنه أجاز في كان زيد هو يقوم أن يكون هو فصلا وردّ ذلك عليه . وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ : من حيث خلق أبينا آدم . ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ : أي بالتناسل . ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً : أي أصنافا ذكرانا وإناثا ، كما قال : أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْراناً وَإِناثاً « 2 » . وقال قتادة : قدّر بينكم الزوجية ، وزوّج بعضكم بعضا ، ومن في مِنْ مُعَمَّرٍ زائدة ، وسماه بما يؤول إليه ، وهو الطويل العمر . والظاهر أن الضمير في مِنْ عُمُرِهِ عائد على معمر لفظا ومعنى . وقال ابن عباس وغيره : يعود على معمر الذي هو اسم جنس ، والمراد غير الذي يعمر ، فالقول تضمن شخصين : يعمر أحدهما مائة سنة ، وينقص من الآخر . وقال ابن عباس أيضا ، وابن جبير ، وأبو مالك : المراد شخص واحد ، أي يحصي ما مضى منه إذ مر حول كتب ذلك ثم حول ، فهذا هو النقص ، وقال الشاعر : حياتك أنفاس تعدّ فكلما * مضى نفس منك انتقصت به جزءا وقال كعب الأحبار : معنى وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ : لا يخترم بسببه قدرة اللّه ، ولو شاء لأخر ذلك السبب . وروي أنه قال ، لما طعن عمر رضي اللّه عنه : لو دعا اللّه لزاد في أجله ، فأنكر المسلمون عليه ذلك وقالوا : إن اللّه تعالى يقول : فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ * « 3 » ، فاحتج بهذه الآية . قال ابن عطية : وهو قول ضعيف مردود يقتضي القول بالأجلين ، وبنحوه تمسك المعتزلة . وقرأ الجمهور : ولا ينقص ، مبنيا للمفعول . وقرأ يعقوب ، وسلام ، وعبد الوارث ، وهارون ، كلاهما عن أبي عمرو : ولا ينقص ، مبنيا للفاعل . وقرأ الحسن : مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ . قال ابن عباس : هو اللوح المحفوظ . وقال الزمخشري : يجوز أن يراد كتاب اللّه علم اللّه ، أو صحيفة الإنسان . انتهى . وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ : هذه آية أخرى يستدل بها على كل عاقل أنه مما لا مدخل لصنم فيه . وتقدم شرح : هذا عَذْبٌ فُراتٌ ، وشرح : وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ في سورة

--> ( 1 ) هذه السورة آية رقم 43 . ( 2 ) سورة الشورى : 42 / 50 . ( 3 ) سورة الأعراف : 7 / 34 .